الأدب والهوية: تأملات عبد الرزاق قرنة في النزوح والانتماء
في حديث خاص، بدا عبد الرزاق قرنة، الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 2021، متطلعًا لبدء المقابلة، وبرز صبره نافدًا بسبب التأخير التقني. وبعد تلقي الاعتذار عن العطل الذي أخر بدء الحديث، أبدى رغبته في الخوض مباشرة في صلب الموضوع، مشيرًا إلى ضيق وقته.
يجلس الروائي الكبير، الذي كان ضيفًا رئيسيًا في مهرجان طيران الإمارات للآداب الذي انطلق في 29 يناير واستمر حتى 3 فبراير 2025، خلف مكتب يعج بالكتب. هذا الأديب، الذي تجاوز السبعين من عمره، والمولود في زنجبار قبل أن ينتقل إلى بريطانيا، يتمتع بهالة من الاحترام والتقدير، بوصفه أحد أبرز كتّاب ما بعد الاستعمار. تتناول رواياته مثل “الجنة”، و”الحياة بعد الموت”، و”الهجر” قضايا النزوح، والمنفى، والهوية، والانتماء؛ وهي المحاور التي سلطت عليها أكاديمية نوبل الضوء في حيثيات منح الجائزة، تقديرًا لمداخلته العميقة والمتعاطفة مع آثار الاستعمار ومصير اللاجئين في الفجوة بين الثقافات والقارات.
جذور قرنة وتجربته مع النزوح
لقد اختبر قرنة هذه المشاعر عن كثب. ترعرع في زنجبار، التي كانت على مر العصور مركزًا تجاريًا حيويًا، ثم تحولت إلى محمية بريطانية. حصلت زنجبار على استقلالها في ديسمبر 1963، ولكن اندلاع الثورة بعد شهر واحد دفع بالكثيرين إلى الفرار. وسط هذه الأحداث، انتقل قرنة برفقة شقيقه إلى بريطانيا.
النزوح والهجرة في أعماله
هل تعكس موضوعات مثل النزوح، الهجرة، والانتماء في أعماله تجربته الشخصية؟ وكيف يرى انعكاس هذه المواضيع على الساحة العالمية اليوم؟
قرنة، الذي كان أستاذًا في جامعة كنت حتى وقت قريب، يوضح أن الأمر لا يتعلق بالضرورة بتجاربه الشخصية، بل بتجارب الملايين حول العالم. ويضيف أن هذه الظاهرة جزء من التجربة الإنسانية وليست وليدة العصر، مشيرًا إلى أن الجديد نسبيًا هو الوجهة التي تتخذها هذه الهجرة، والتي تتجه من الأراضي المستعمرة سابقًا إلى المناطق الأكثر ازدهارًا في العالم، بعد أن شهدنا العكس لقرون، حيث كان الناس يغادرون أوروبا بحثًا عن حياة أفضل في بلدان أخرى، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تشريد السكان الأصليين.
صدى المشهد العالمي
هل يرى قرنة أن هذه الفكرة تتردد في المشهد العالمي اليوم؟
يجيب: “لماذا يتنقل الملايين من الناس في الأمريكتين وأفريقيا وآسيا؟ هذا وضع قائم منذ فترة طويلة، وليست مجرد ظاهرة جديدة. الجديد نسبيًا هو حالة الذعر التي تنتشر في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية.”
استكشاف موضوعات المولد والانفصال والخسارة
على الرغم من مرور عقود على مغادرة قرنة زنجبار، إلا أن موضوعات المولد، وانفصال الأسرة، والخسارة، وانكسار القلب تظهر باستمرار في أعماله. ففي روايته “الهجر”، يستكشف هشاشة الحب عبر ثلاثة أجيال والاضطرابات السياسية والثقافية، بينما تكشف “الهدية الأخيرة” عن سر عميق لا يظهر إلا عند الموت، وتتميز رواية “الجنة”، وهي على الأرجح أشهر أعمال قرنة، بعمقها التاريخي والثقافي.
تحقيق التوازن بين التقاليد والابتكار
وفي محاولة لاستكشاف تأثير تاريخ زنجبار وتقاليدها الشفوية في كتاباته، طرح سؤال حول كيفية الموازنة بين تكريم هذه التقاليد والحاجة إلى الابتكار والتواصل مع جمهور عالمي معاصر.
يجيب قرنة: “أنا أكتب فقط عن كيفية سير الأمور؛ الأمر لا يتعلق بالموازنة بين أشياء متنافرة. الأمر يتعلق بكيفية سير الأمور، وهذا الجزء من العالم متداخل مع عوالم أخرى.”
أهمية الأدب في توسيع آفاقنا
يشير قرنة إلى أن القدرة على القراءة بحد ذاتها أمر مدهش، فالأدب يمكننا من التعرف على مجتمعات وأماكن وأزمنة قد لا نألفها، ثم نكتشف أنها تشبهنا تمامًا، مؤكدًا أن الأدب يظهر أن التجربة الإنسانية مشتركة ولا تقتصر على مكان أو زمان محدد.
التجربة الإنسانية المشتركة
التجربة هي جوهر ما يتحدث عنه قرنة ويكتب من خلاله. ففي مقابلة مع هيئة تابعة للأمم المتحدة قبل عامين، أوضح أن بدايته كروائي كانت نابعة من رغبته في إبداع شيء ما، بدلاً من مجرد تدوين الأشياء. وعلى الرغم من أنه ألّف أكثر من 10 روايات ومجموعة من القصص القصيرة، وبدأ مسيرته الأدبية في الحادية والعشرين من عمره في المملكة المتحدة، إلا أن جائزة نوبل هي التي جعلت اسمه معروفًا في كل أنحاء العالم.
لجنة نوبل تشيد بأعمال قرنة
وقد لخّص أندرس أولسون، رئيس لجنة جائزة نوبل، الأمر ببراعة عندما أوضح سبب استحقاق الكاتب للجائزة، مشيرًا إلى تفانيه في الحقيقة ونفوره من التبسيط، مما جعله كاتبًا لا يعرف المساومة، يتابع مصائر الأفراد بعطف كبير والتزام ثابت. وأضاف أن رواياته تبتعد عن الأوصاف النمطية وتفتح أعيننا على شرق أفريقيا المتنوع ثقافيًا وغير المألوف للكثيرين، مؤكدًا أن هذا الاستكشاف الدؤوب والمدفوع بالعاطفة الفكرية حاضر في كل كتبه، بنفس القدر الذي كان عليه عندما بدأ الكتابة كلاجئ يبلغ من العمر 21 عامًا.
تأثير الفوز بجائزة نوبل
كيف أثر فوزه بجائزة نوبل على حياته وكتاباته؟
يقول قرنة: “في البداية، يسعد أي كاتب بهذا التقدير، فهو بمثابة تأكيد لما كنت تفعله لفترة طويلة. عادةً، لا تُمنح الجائزة عن عمل واحد أو عملين، بل عن مجمل المسيرة. لذا، فإن الحصول على الجائزة يعني القول، نعم، لقد قمت بعمل جيد.”
ويضيف أن هذا التتويج يعني أن الكثيرين يرغبون في التعرف على أعمالك، مما يؤدي إلى طبعات جديدة وترجمات وزيارات إلى أماكن مختلفة، مؤكدًا أن التأثير العالمي لجائزة نوبل يساعد في نشر أعمال الكاتب، وهو ما يتمناه كل كاتب، بأن يقرأ له أكبر عدد ممكن من الناس.
التفاعل مع القضايا الإنسانية
ويوضح أن هذا يسمح للقراء بالتفاعل مع القضايا المطروحة في أعماله، وأن يروا أنها ليست مجرد أخبار عن مكان بعيد، بل هي شيء يفهمونه ويتعاطفون معه، مؤكدًا أن المجتمعات البشرية لديها تجارب مشتركة يعترفون بها، حتى لو لم يعرفوا عنها شيئًا، وأنهم يرون أنفسهم في هذه الأعمال بغض النظر عن مكان كتابتها، وهو أمر مطمئن للكاتب وللإنسان الذي يعيش في هذا العالم.
آلية الكتابة عند قرنة
هل أثرت الجائزة على عمله؟
يجيب: “بالتأكيد لم يتغير شيء. ما زلت أجلس على مكتبي، أنظر إلى الشاشة وأحاول تنظيم أفكاري. لا أستطيع أن أقول للكمبيوتر، هل تعرف من أنا؟ فالعمل والجهد المبذول فيه لا يزالان كما هما.”
بساطة الأدوات وأهمية الانضباط
يشير قرنة إلى أن عملية الكتابة بسيطة للغاية، وأنها تتم على مكتب عادي، مؤكدًا أن أهم شيء هو الانضباط، والاستيقاظ في الصباح والجلوس على المكتب والعمل بذهن صاف، والتوقف عند تشتت الذهن والانتقال إلى نشاط آخر.
مصادر الإلهام
أما عن مصادر الإلهام، فيقول إنها غالبًا ما تكون الأشياء التي تزعجه وتستحوذ على أفكاره، مؤكدًا أن لديه أشياء معينة تتكرر باستمرار في ذهنه، وأن الكتابة تكون عن الأشياء التي تدور في ذهنه لفترة طويلة.
ثم تأتي مرحلة تحديد الأولويات، واختيار اللحظة والمساحة المناسبة للكتابة عن أي موضوع.
البحث عن التفاصيل
في بعض الأحيان، قد تتطلب الفكرة إجراء بحث إضافي للحصول على تفاصيل حول مكان أو فترة زمنية أو حدث معين، مع التأكد من أن هذا البحث مركز.
ويوضح أن الأفكار قد تأتي أحيانًا من فراغ، أثناء قراءة شيء مختلف تمامًا، مؤكدًا أن هذه اللحظات التي تأتي فيها الأفكار بشكل غير متوقع هي من حسن حظ الكاتب.
نصيحة للكتاب الطموحين
هل هناك نصائح يمكن تقديمها للكتاب الطموحين؟ يجيب قرنة بوضوح: “لا توجد نصيحة. فقط اكتب واستمر في الكتابة حتى تصل إلى النتيجة الصحيحة. لا يوجد طريق مختصر.”
وأخيرا وليس آخرا
في ختام هذا اللقاء، يتبين لنا أن عبد الرزاق قرنة لا يزال ملتزمًا بقضايا النزوح، الهوية، والانتماء، وأن أعماله تعكس تجربة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود والثقافات. يبقى السؤال: كيف يمكن للأدب أن يساهم في فهم أعمق للتحديات التي تواجه عالمنا المعاصر، وأن يعزز قيم التعاطف والتسامح بين الشعوب؟










