ديناميكية فنون الطهي : جيمس نايت باتشيكو ودوره في دعم مجتمع الطهاة
في خضم جائحة كورونا التي اجتاحت العالم في عام 2020، لمس جيمس نايت باتشيكو الأثر المدمر على قطاع الضيافة، حيث اضطر العديد من الطهاة إلى الاستغناء عن فرق عملهم التي كانوا يعتبرونها عائلاتهم، مما تسبب في أزمة نفسية حادة. هذا الواقع المرير حفز باتشيكو على تأسيس مجموعة طهاة دبي، وهي منصة لدعم العاملين في مجال الأطعمة والمشروبات، وتعزيز الحوار المفتوح في هذا القطاع الحيوي. ويكمل هذه المبادرة بودكاست باتشيكو، الذي يناقش تحديات ونجاحات قطاع الضيافة من خلال حوارات صريحة مع الطهاة وأصحاب المطاعم.
هذه المبادرات، التي تتعدى حدود المطبخ، تعكس شغف جيمس العميق بمهنته ومجتمع الضيافة. مسيرته المهنية اللامعة، والتي تضمنت العمل في مؤسسات مرموقة مثل لو مانوار أو كات سيزون وكلاريدجز، بالإضافة إلى ظهوره الإعلامي المميز، جعلت منه أحد رواد فنون الطهي. قيادته والتزامه بالتعاون جعلاه صوتاً مؤثراً في هذا المجال. سواء من خلال إدارة شركته جروب جي كي بي، أو توجيه سين هولدينج التي تضم مطعم ريبا في أبوظبي، أو إرشاد الجيل القادم من الطهاة، يواصل جيمس تجاوز الحدود وترك بصمة واضحة في عالم الطهي.
حوار مع جيمس نايت باتشيكو
في حوار ملهم، يستعرض الإعلامي وصاحب البودكاست والطاهي الشهير، جيمس نايت باتشيكو، مواضيع متنوعة، من فنون الطهي والثقافة إلى الصحة النفسية، مع التركيز على صعود المدن الشرقية كعواصم جديدة للطعام. إليكم مقتطفات من هذه المقابلة:
الموسم التاسع من بودكاست شيف جي كي بي
“عندما أطلقت البودكاست في عام 2020، كان هدفي إنشاء منصة تعليمية لطلاب الطهي، تمكنهم من الاستفادة من خبرات الطهاة المخضرمين. يتطلب الوصول إلى قمة هذا المجال مرونة ذهنية وجسدية هائلة، فالطهاة يعملون لساعات طويلة، ويفوتون مناسبات عائلية، وعليهم تقبل النجاحات والإخفاقات على حد سواء، مع تكريس أنفسهم لخدمة الآخرين.”
لقد حقق البودكاست نجاحاً كبيراً، وها نحن الآن في موسمه التاسع! يتمحور كل موسم حول موضوع رئيسي، ونختار ضيوفنا بعناية فائقة بما يتناسب مع هذا الموضوع. لطالما كان هدفنا تسليط الضوء على المواهب في مجال الطهي في المنطقة. وبينما يحالفنا الحظ بوجود العديد من الأشخاص الراغبين في الظهور في البودكاست، إلا أنني أولي اهتماماً خاصاً باختيار الضيوف المناسبين، وأقوم بنفسي بإجراء بحث شامل عن كل ضيف محتمل. يجب أن يقدموا قيمة مضافة لجمهورنا العالمي، وأن يؤثروا في مجال عملهم، وأن يكونوا واضحين في طرح أفكارهم، وأن يمتلكوا قصصاً ملهمة يشاركونها.
تحديات قطاع الطهي من منظور الطهاة
“بصفتي طاهياً، أمتلك حساً فطرياً يساعدني على فهم تجارب الآخرين في هذا المجال. إن بودكاست شيف جي كي بي بمثابة جلسة حميمية، تتيح لي الغوص في أعماق تجارب ضيوفي، واستكشاف خبايا رحلتهم في عالم الطهي. تمتد هذه الجلسات أحياناً لأكثر من ساعة، وأحرص خلالها على استنباط أدق التفاصيل من ضيفي، سواءً كان طاهياً، أو صاحب مطعم، أو حتى رئيساً تنفيذياً.”
مجموعة طهاة دبي: مساحة آمنة للطهاة
“لقد وُلدت مجموعة طهاة دبي في خضم الجائحة. ففي بعض الأماكن، مثل المملكة المتحدة، وفرت برامج الإجازات المؤقتة شبكة أمان للعاملين في قطاع الضيافة، ولكن في مناطق أخرى، كان الواقع قاتماً. أعرف طهاة لم يتقاضوا أجورهم لشهور، واضطروا إلى التخلي عن فرقهم عبر تطبيق زووم! الطهاة ليسوا خبراء في الموارد البشرية، وكان الاضطرار إلى اتخاذ مثل هذه القرارات سبباً في خسائر فادحة للكثيرين منهم.”
وإدراكاً منا لهذا، أنشأنا أنا والشيف شين بورن هذه المجموعة لتكون مساحة آمنة للطهاة، ومنصة يمكنهم من خلالها مشاركة مشاكلهم وإيصال أصواتهم. سواء كانوا يعانون من مشاكل نفسية أو يشعرون بالإحباط، فنحن هنا للاستماع إليهم ودعمهم.
الصحة النفسية في قطاع الأغذية والمشروبات
“بالتأكيد، علينا التحدث عن هذا الأمر أكثر. فالتوتر سمة ملازمة لهذا المجال. والإحصائيات لا تكذب، فالتحديات المتعلقة بالصحة النفسية تكلف قطاع الضيافة العالمي ملايين الدولارات سنوياً.”
في محاضرة ألقيتها مؤخراً على منصة تيد، استخدمت تأثير جبل فيزوف كاستعارة لقطاع الأغذية والمشروبات: فكل شيء يبدو هادئاً على السطح، ولكن أي محفز صغير قد يؤدي إلى انفجار هائل. ونحن بحاجة إلى منع هذه اللحظات. ومن ثم فإننا نريد أن نتواصل بشكل أكبر مع المجتمع ونحتاج إلى الدعم من الحكومة وهيئات الصناعة. والأمر لا يتعلق بالتمويل فحسب، بل يتعلق أيضاً بالرؤية وإرسال رسالة واضحة مفادها: أياً كان ما تمر به، فنحن هنا من أجلك.
نصائح للتخفيف من التوتر
“لنبدأ بالأساسيات، حافظ على نشاطك ومارس الرياضة لمدة 30 دقيقة على الأقل يومياً. وإذا شعرت بالإرهاق، فابتعد قليلاً وخذ قسطاً من الراحة. والأهم من ذلك، عزز ثقافة المطبخ الداعمة حيث تكون الصحة النفسية أولوية مشتركة. عندما كنت أتدرب في المطابخ الراقية، لم تكن هذه المحادثات موجودة، ولكن لحسن الحظ، ازداد الوعي الآن. على الإدارة أيضاً أخذ هذا الأمر على محمل الجد، فعندما يشعر الفريق بالأمان والدعم، فإن ذلك يعود بالنفع على المطبخ والعملاء والأعمال ككل.”
أهمية التعامل مع الأرقام
“إن أحد أهم مصادر التوتر في المطاعم هو العلاقة المتوترة بين الطهاة ومدراء المالية، فهم نادراً ما يتفقون. فبينما ينصبُّ تركيز الطهاة، وهم فنانون في جوهرهم، على إبداع روائع فنية على الأطباق، تُشكّل الأرقام جانباً مهماً لا يقلُّ أهمية عن الإبداع. إنها مهارة أساسية يجب أن تُدمَج في صُلب التعليم الطهوي. عندما يبدأ الطهاة تدريبهم في سن 16 أو 18 عاماً، يجب عليهم أيضاً تعلم أساسيات إدارة الأعمال والتكاليف الخفية والاعتراف بأهمية تحقيق الأهداف المالية.”
التوازن بين الإبداع وإدارة الأعمال
“الأمر أشبه بالزواج إلى حد ما، حيث يتعين على كلا الطرفين إيجاد نقطة التقاء مثالية، تقوم على التنازلات المتبادلة والاحترام المشترك. كن مبدعاً في فنون الطهي، لكن تعلَّم أيضاً كيف تُدير أعمالك بنجاح. فإذا كنت طاهياً وصاحب عمل في الوقت ذاته، يجب أن تحقق توازناً بين هاتين القيمتين منذ البداية. وإذا تعذَّر ذلك، فمن الضروري أن تثق برؤية شريكك. وإذا كان أحد الطرفين يقدم تنازلات مستمرة على حساب الآخر، فربما يكون من الأفضل إعادة النظر في هذه الشراكة.”
إليك المفتاح: عندما يقرر مالك المطعم توظيف طاهٍ بمستوى معيَّن، عليه أن يتعرَّف على هذا الطاهي جيداً، وأن يُجري بحثاً شاملاً عنه. وينطبق الشيء نفسه على الطهاة، تأكَّدوا من البحث عن الشخص الذي ستعملون معه، وعن الشركة التي ستنضمون إليها.
الغرور وتأثيره على الطهاة
“بينما يتصف نصفهم بالتواضع، يقع النصف الآخر في فخ الأنا! ولا شك أن الغرور هو العدو اللدود لأي طاهٍ، فهو يعرقل مسيرته ويُعيق تطوره. الطهاة المتواضعون هم من يطلبون آراء الآخرين، من موظفين وزبائن على حدٍ سواء، ويستقبلون النقد البناء بصدر رحب. هذه هي السمة التي تُميز الناجحين في هذا المجال، بينما يسير الطهاة المغرورون في الاتجاه المعاكس، ما يؤدي إلى سقوطهم المدويّ. وفي عالم اليوم، لم يعد للغرور مكان، ولن يُساعدك على تحقيق النجاح المنشود.”
تحول عواصم الطهي من الغرب إلى الشرق
“لا شكّ في أننا أمام تحوّل لافت ومثير في عالم الطهي! صحيح أن مدناً كباريس ولندن ونيويورك ستبقى أيقونات بفضل إرثها العريق وروح الابتكار التي تُميّزها، لكنّ أسواقاً جديدة بدأت تُزهر وتُثبت حضورها بقوّة. انظر إلى دبي مثلاً! فالتغيّر الذي طرأ عليها خلال السنوات العشر الأخيرة مذهل بكل المقاييس. لقد أصبحت اليوم حاضنة للجوائز العالمية، ووجهة لأفضل الطهاة على مستوى العالم. ولا يقتصر الأمر على استقطاب الأسماء اللامعة فحسب، بل يتعدّاه إلى صعود المواهب المحليّة، سواءً ممن نالوا نجوم ميشلان أو ممن يبدعون في تقديم أشهى المأكولات في شوارع المدينة، فهؤلاء جميعاً يُساهمون في ترسيخ مكانة المنطقة على خريطة الطهي العالميّة. ولا تتوقّف هذه الظاهرة عند حدود دبي، بل تمتدّ لتشمل البحرين وعُمان والكويت والمملكة العربية السعودية، فهذه الدول تزخر بإمكانيات واعدة تُبشّر بمستقبل زاهر في عالم الطهي.”
القوة الاقتصادية والثقافية وتأثيرها على اتجاهات الطعام
“أوافقك الرأي، هناك جانب من الحقيقة في هذا الأمر، لكنّه يتأثّر بعوامل متعددة. فمع اتّساع آفاق السفر وتنوّع الأذواق، أصبح الناس أكثر انفتاحاً على تجربة نكهات جديدة. لنأخذ المطاعم اليابانية كمثال، فقد شهدت إقبالاً هائلاً في الآونة الأخيرة، حيث سحرت نكهاتها ذائقة الناس في جميع أنحاء العالم. ولا يمكننا إغفال الدور الذي لعبته مكانة اليابان كقوة اقتصادية عظمى في هذا الصدد. ففي حين أسّست فرنسا قواعد فنّ الطهي الحديث، إلا أنّ تأثيرها ظلّ محدوداً نسبياً. أما اليابان، فقد عملت على توسيع نطاق انتشارها، حتى أصبح تأثير مطبخها عالمياً بشكل مذهل، متفوّقاً على العديد من المطابخ الأخرى! لذا، نعم، أعتقد أنّ هناك علاقة وثيقة بين القوّة الاقتصادية واتّجاهات الطعام السائدة.”
عواصم المأكولات الجديدة في العالم
تُعدّ أمريكا الجنوبية مكاناً خصباً للإبداع في عالم الطهي، وتبرز بيرو وكولومبيا والبرازيل كوجهات رائدة في هذا المجال. وفي الشرق الأوسط، تتربع دبي على عرش عواصم الطعام بلا مُنازع. وفي أوروبا، تُواصل كوبنهاجن تطوّرها كمركز للطهي، بينما تحافظ سان سيباستيان الإسبانية على سحرها الأخّاذ. ومؤخراً، لمع نجم منطقة البلطيق، وتحديداً صربيا وكرواتيا، اللتان خطفتا الأنظار بمأكولاتهما المُميّزة. كما شهد المطبخ الجورجي صعوداً ملحوظاً على الساحة العالمية.
الطعام والذكريات
“أجدُ في الطعام انعكاساً لذاتي ولتراثي المُزدوج، الفنزويلي والبريطاني. ففي فنزويلا، يرتبط الطعام ارتباطاً وثيقاً بالعائلة والتواصل، بينما في المملكة المتحدة، يغلب عليه طابع من التحفّظ والهدوء، وهذا لا ينطبق على المطبخ فحسب!”
في الواقع، لطالما كان الطعام محور تجاربي حول العالم، فهو بالنسبة لي بمثابة رسالة ولغة للحبّ، وكلّ ما نتذوّقه يُخلّف فينا ذكريات لا تُمحى. فعندما ابتعدت عن عائلتي للمرّة الأولى، أو سافرت لقضاء إجازة مع أصدقائي، كان الطعام هو الرابط الذي يجمعنا. فالطعام يجمع الثقافات معاً، وفي هذا يكمن جوهر مفهوم كسر الخبز الذي يعبّر عن المشاركة والتواصل.
بصفتنا طهاة، نحمل على عاتقنا مسؤولية صناعة ذكريات لا تُمحى. فحتى بأبسط طبق سباغيتي، أو أفخم وجبة مؤلفة من عشرين صنفاً، بإمكانك أن تترك بصمة عميقة في نفس المتذوّق، وأن تؤثر فيه من خلال إثارة عواطفه، وهذه هبة لا تُقدّر بثمن. في عصر تهيمن عليه التكنولوجيا، من الضروري ألا نفقد هذا الرابط الشخصي مع الطعام. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطوّر، لن يستطيع أن يحل محل اللمسة الإنسانيةِ التي يضفيها الطاهي على أطباقه.
و أخيرا وليس آخرا
تبرز أهمية المبادرات التي يقودها جيمس نايت باتشيكو في دعم مجتمع الطهاة وتعزيز الحوار حول التحديات التي تواجههم، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها جائحة كورونا. من خلال مجموعة طهاة دبي وبودكاست شيف جي كي بي، يسعى باتشيكو إلى توفير مساحة آمنة للطهاة للتعبير عن مشاكلهم وتبادل الخبرات، مما يساهم في تحسين الصحة النفسية وتعزيز ثقافة الدعم في هذا القطاع الحيوي. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تطوير هذه المبادرات وتوسيع نطاق تأثيرها لتشمل المزيد من الطهاة في المنطقة والعالم، وهل يمكن أن تصبح نموذجاً يحتذى به في قطاعات أخرى تواجه تحديات مماثلة؟







