تأثير إغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط العالمية
تتزايد المخاوف بشأن إمكانية لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف منشآتها الحيوية، بما في ذلك المنشآت النووية والدفاعية، بالإضافة إلى البنية التحتية لإنتاج وتكرير النفط والغاز.
في حال اتساع نطاق الصراع وإقدام إيران على هذه الخطوة، من المتوقع أن تشهد الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال اضطرابات كبيرة. ومع ذلك، هناك دول في المنطقة قادرة على التكيف مع هذا الوضع، وعلى رأسها السعودية والإمارات، وفقًا لتحليل حديث صادر عن وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن، اطلعت عليه المجد الإماراتية.
تصاعد التوترات في مضيق هرمز
شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا في الهجمات التي تستهدف مواقع إيرانية مختلفة. وامتدت هذه الهجمات لتشمل محطة لمعالجة الغاز بالقرب من حقل بارس الجنوبي، وهو أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم تتشارك فيه إيران وقطر. كما طالت الهجمات مجمع معالجة تابعًا لشركة فجر جام ومستودع تخزين وقود تابعًا لمصفاة لتكرير النفط في شهران. وردت إيران بإطلاق صواريخ استهدفت بعض منشآت التكرير في إسرائيل.
الأهمية الاستراتيجية لـ مضيق هرمز
يقع مضيق هرمز بين سلطنة عمان وإيران، ويعتبر حلقة وصل حيوية تربط الخليج العربي ببحر عمان وبحر العرب. يتميز هذا المضيق بعمقه واتساعه، مما يسمح بمرور أكبر ناقلات النفط الخام في العالم.
مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي
يتحكم مضيق هرمز في مرور ما يزيد على ربع حجم تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
في عام 2024، بلغ إجمالي حجم تدفقات النفط عبر مضيق هرمز حوالي 20.3 مليون برميل يوميًا (تشمل النفط الخام والمكثفات والمنتجات). وخلال الربع الأول من عام 2025، بلغ الحجم حوالي 20.1 مليون برميل يوميًا.
تدفقات النفط عبر مضيق هرمز
يوضح الرسم البياني التالي، الذي أعدته وحدة أبحاث الطاقة، تدفقات النفط عبر مضيق هرمز منذ عام 2020 حتى الربع الأول من عام 2025، مقارنة بحجم التدفقات العالمية المنقولة بحرًا.
في عام 2024، شكلت التدفقات عبر المضيق حوالي 27% من إجمالي تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا (75.5 مليون برميل يوميًا)، وأكثر من 20% من إجمالي استهلاك السوائل النفطية (102.7 مليون برميل يوميًا).
الدور السعودي في مضيق هرمز
في عام 2024، كانت المملكة العربية السعودية أكبر الدول المستخدمة للمضيق في عبور صادراتها النفطية، حيث شكلت وحدها حوالي 38%، أو ما يعادل 5.5 مليون برميل يوميًا، من إجمالي تدفقات النفط الخام والمكثفات المارة عبره خلال العام، والبالغة 14.3 مليون برميل يوميًا.
بالإضافة إلى السعودية، تستخدم كل من الإمارات والكويت والعراق مضيق هرمز في عبور صادراتها النفطية. وتعتمد قطر عليه بصورة كبيرة في تصدير الغاز الطبيعي المسال.
تجارة الغاز المسال عبر مضيق هرمز
بلغ حجم تدفقات الغاز الطبيعي المسال المارة من مضيق هرمز حوالي 10.3 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عام 2024، في حين وصلت إلى 11.5 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال الربع الأول من عام 2025، ومعظمها من قطر.
يوضح الرسم البياني التالي، الذي أعدته وحدة أبحاث الطاقة، تدفقات الغاز المسال عبر مضيق هرمز منذ عام 2020 حتى الربع الأول من عام 2025.
دول قادرة على تجاوز إغلاق مضيق هرمز
تبدو احتمالات إغلاق مضيق هرمز ذات تأثير كارثي على أسواق النفط والغاز العالمية، نظرًا لحجم التجارة المارة عبره، خاصةً أن البدائل ما زالت محدودة وغير متاحة لمعظم الدول.
إيران والبدائل المتاحة
لم تقم إيران بإغلاق المضيق حتى الآن، ولم تصرح بذلك على المستويات السياسية العليا. ومع ذلك، أشار عضو لجنة الأمن في البرلمان الإيراني، إسماعيل كوثري، مؤخرًا إلى أن بلاده لا تستبعد ذلك إذا توسعت الحرب.
تمتلك إيران خط أنابيب احتياطيًا مزودًا بمحطة تصدير على خليج عمان (غوره – جاسك)، وتبلغ قدرة هذا الخط حوالي 0.3 مليون برميل يوميًا، مما قد يمكنها من تجاوز اضطرابات مضيق هرمز جزئيًا.
افتتحت طهران هذا الخط في عام 2021، لكنها لم تستخدمه إلا في مناسبات قليلة. استخدمته أول مرة في يوليو 2021 لنقل شحنة وحيدة، ثم مرة أخرى في صيف 2024 لتصدير 70 ألف برميل يوميًا، وتوقفت عن تحميل الشحنات عبره منذ سبتمبر 2024، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
دور السعودية والإمارات
تستطيع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تجاوز إغلاق مضيق هرمز أيضًا، وذلك بفضل امتلاكهما خطوط أنابيب عاملة تمكنهما من نقل صادراتهما النفطية، مما قد يخفف من اضطرابات النقل عبر المضيق.
يربط خط أنابيب النفط الخام (شرق-غرب)، الذي تديره شركة أرامكو السعودية، بين محطة معالجة النفط في مدينة بقيق بالقرب من الخليج العربي، وميناء ينبع على البحر الأحمر، بقدرة نقل 5 ملايين برميل يوميًا.
في عام 2019، قامت شركة أرامكو بتوسيع قدرة الخط مؤقتًا لتصل إلى 7 ملايين برميل يوميًا، عندما حولت الشركة بعض خطوط أنابيب سوائل الغاز الطبيعي إلى أخرى مهيأة لنقل النفط الخام.
في عام 2024، ضخت السعودية المزيد من النفط الخام عبر هذا الخط لتجنب انقطاعات الشحن حول مضيق باب المندب.
خطوط الأنابيب الإماراتية
يمتد الأمر نفسه إلى الإمارات، التي تربط حقولها النفطية البرية بمحطة الفجيرة للتصدير الواقعة على خليج عمان عبر خط أنابيب يتجاوز مضيق هرمز، وتبلغ طاقته 1.8 مليون برميل يوميًا.
لا تعمل خطوط السعودية والإمارات بكامل طاقتها في الغالب، إذ تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية حجم القدرة غير المستغلة لهذه الخطوط بنحو 2.6 مليون برميل يوميًا، مما سيمكن الدولتين من تجاوز إغلاق مضيق هرمز.
الدول الآسيوية الأكثر تضررًا من إغلاق مضيق هرمز
من المتوقع أن تكون الأسواق الآسيوية أكبر المتضررين في حالة إغلاق مضيق هرمز، لكونها الوجهة الأولى لمعظم تدفقات النفط الخام والغاز المسال المارة من المضيق.
الواردات الآسيوية من مضيق هرمز
بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، ذهبت 84% من شحنات النفط الخام والمكثفات، و83% من شحنات الغاز المسال المارة عبر المضيق، إلى آسيا خلال عام 2024.
كانت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية أكبر الدول المستوردة للنفط الخام المتجه إلى آسيا عبر مضيق هرمز، بحصة وصلت إلى 69% من إجمالي تدفقات الخام والمكثفات المارة في عام 2024.
الواردات الأمريكية من مضيق هرمز
بالمقابل، استوردت الولايات المتحدة حوالي نصف مليون برميل يوميًا فقط من النفط والمكثفات الخليجية عبر المضيق خلال عام 2024، ما يشكل 7% من إجمالي وارداتها، و2% فقط من إجمالي استهلاكها من السوائل النفطية.
يوضح الرسم البياني التالي، الذي أعدته وحدة أبحاث الطاقة، إجمالي حجم وقيمة واردات النفط الأميركية من 5 دول عربية خلال عام 2024، شاملة السعودية والإمارات والكويت.
كان مستوى واردات الولايات المتحدة من النفط الخليجي في عام 2024 هو الأدنى منذ 40 عامًا، إلى جانب كونه أقل بمقدار النصف منذ عام 2018.
ويرجع السبب في ذلك إلى زيادة الإنتاج المحلي في الولايات المتحدة، إضافة إلى ارتفاع وارداتها من النفط الكندي المجاور، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
استنادًا إلى هذا الوضع، من المرجح أن تكون الأسواق الآسيوية أكبر المتضررين من انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما سيكون الأثر محدودًا في الولايات المتحدة.
ورغم كثرة التكهنات حول احتمالات إغلاق مضيق هرمز، فإن من المستبعد حدوث ذلك، لأن معظم ممراته تقع في عمان، كما توجد قوات أميركية وبريطانية قريبة من المضيق، فضلًا عن اتساعه بصورة تصعب إغلاقه عمليًا، بحسب خبير أسواق الطاقة د.أنس الحجي.
وأخيرا وليس آخرا
في الختام، يظل مضيق هرمز نقطة ارتكاز حيوية في سوق الطاقة العالمي، وأي تهديد لتدفقاته يثير تساؤلات حول مستقبل الإمدادات والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة. هل ستتمكن الدول من تنويع مصادرها وتأمين بدائل في حال حدوث الأسوأ؟ وهل ستنجح الجهود الدبلوماسية في الحفاظ على استقرار هذا الممر المائي الاستراتيجي؟










