المبادرات الإماراتية تستأنف دعمها الإغاثي لقطاع غزة: التزام راسخ ونهج إنساني متواصل
لطالما مثّلت الأزمات الإنسانية نقطة تحول في إبراز تضامن المجتمعات الدولية، حيث تتجلى قيم العطاء والتآزر في أبهى صورها. وفي خضم التحديات الإنسانية المتفاقمة التي يشهدها قطاع غزة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب أساسي في تقديم يد العون، مؤكدةً التزامها الراسخ بدعم الشعب الفلسطيني الشقيق. هذا الدعم ليس وليد اللحظة، بل يمثل استمرارًا لمسيرة طويلة من المبادرات الإنسانية التي تتبناها الدولة، والتي تتجسد اليوم في استئناف مساعدات محمد بن راشد لغزة، لتؤكد أن العمل الإنساني نهج لا يتوقف أمام الصعاب.
إن ما أعلنته مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، بتوجيهات كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، يمثل خطوة حيوية في تخفيف معاناة أهل غزة. فقد جرى استئناف إدخال المساعدات الغذائية بقيمة 43 مليون درهم، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فور فتح المعابر الحدودية للقطاع. هذه الشحنات الجديدة، التي تتضمن مواد غذائية أساسية وطرود إغاثية، تستهدف الأسر الأشد احتياجًا، وتعد استكمالًا لخطة المبادرات الشاملة لدعم سكان غزة.
مسيرة عطاء متواصلة وتاريخ من الدعم الإنساني
لا يمكن النظر إلى هذه المبادرة بمعزل عن السياق التاريخي والدور المحوري الذي تلعبه دولة الإمارات في المشهد الإنساني الإقليمي والدولي. فقد جاء الإعلان عن هذه المساعدات الغذائية المباشرة في يناير 2024، استمرارًا لنهج الإمارات في تقديم العون. ففي عام 2023، وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتقديم مساعدات عاجلة بقيمة 50 مليون درهم للفلسطينيين عبر مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية. هذا يضاف إلى شحنات سابقة نقلتها دبي الإنسانية في سبتمبر 2024، والتي تضمنت إمدادات طبية أساسية تزن 71.6 طنًا، عبر ميناء العريش المصري.
دعم متعدد الأوجه يشمل القطاع الصحي
لم يقتصر الدعم الإماراتي على المساعدات الغذائية فقط، بل امتد ليشمل القطاع الصحي الحيوي في غزة، الذي يواجه تحديات جمة. ففي يناير 2024، تعهدت مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية بتقديم نحو 37 مليون درهم (10 ملايين دولار) لدعم القطاع الصحي في غزة، بهدف توفير المستلزمات الطبية الأساسية للسكان، وخصوصًا فئة الأطفال التي تتأثر بشكل كبير بالظروف الراهنة. هذا التركيز على الجانب الصحي يعكس فهمًا عميقًا للاحتياجات الأساسية والملحة في القطاع.
وقال مسؤول إقليمي من برنامج الأغذية العالمي، في تصريحات سابقة، إن الشراكة مع مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية تجسد التزام الجانبين بتقديم الدعم الغذائي للمحتاجين وتخفيف معاناة المجتمعات حول العالم. هذا التعاون الاستراتيجي يؤكد على فعالية الشراكات الدولية في إحداث فرق حقيقي ومنح الأمل في المناطق المتضررة، ويبرز الدور المحوري للمؤسسات الإنسانية الإماراتية.
الرؤية الشاملة لمبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية
تُعد مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، التي تأسست في عام 2015 لتكون مظلة جامعة لمختلف المبادرات التي رعاها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من أكبر المؤسسات الإنسانية والخيرية في المنطقة. يظهر حجم إنفاق المؤسسة، الذي تجاوز 2.2 مليار درهم في عام 2024 واستفاد منه نحو 149 مليون شخص في 118 دولة، النطاق الواسع لعملها والتزامها بتحقيق تأثير إيجابي عالمي.
محاور العمل الرئيسية وتأثيرها العالمي
تتركز جهود المؤسسة ضمن خمسة محاور عمل رئيسية: المساعدات الإنسانية والإغاثية، الرعاية الصحية ومكافحة المرض، نشر التعليم والمعرفة، ابتكار المستقبل والريادة، وتمكين المجتمعات. وقد بلغ إجمالي حجم الإنفاق على محور المساعدات الإنسانية والإغاثية في عام 2024 أكثر من 944 مليون درهم، استفاد منها أكثر من 37 مليون شخص. يشمل هذا العمل تنفيذ عدد كبير من المبادرات والمشاريع والحملات التي قدمت مساعدات إنسانية ومواد إغاثة طارئة للمناطق المنكوبة، بالإضافة إلى إطلاق مشاريع تنموية مستدامة بالشراكة مع منظمات وهيئات إقليمية ودولية.
وفي العام الماضي، بلغت كمية المساعدات ومواد الإغاثة التي جرى نقلها وتوزيعها بدعم دبي الإنسانية 1255 طنًا متريًا، استفاد منها نحو 3.7 مليون شخص من مختلف دول العالم. هذا يؤكد الكفاءة التشغيلية والقدرة اللوجستية للمؤسسة في الوصول إلى المحتاجين أينما كانوا.
أهداف تتجاوز الإغاثة الفورية
تتبنى المؤسسة رؤية أعمق تتجاوز الإغاثة الفورية، لتشمل تعزيز ثقافة الأمل، والتصدي الفعال لأهم المشكلات الإنسانية والتنموية والمجتمعية الملحة، مع التركيز على المجتمعات الأقل حظًا. كما تركز على الاستثمار في العنصر البشري كأهم مورد حيوي، عبر تمكين المواهب وصقل المهارات والخبرات وبناء كوادر بشرية متعلمة ومدربة ومؤهلة لقيادة مسيرة التنمية في أوطانها.
تهدف المؤسسة أيضًا إلى الارتقاء بواقع التعليم في المجتمعات المهمشة، ومكافحة الفقر والأمراض والأوبئة، وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين الشعوب، وهي أهداف نبيلة تعكس فلسفة الإمارات في بناء عالم أفضل وأكثر استقرارًا.
و أخيرا وليس آخرا
إن استئناف المساعدات الإماراتية لغزة عبر مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، بقيمة 43 مليون درهم، ليس مجرد رقم أو شحنة إغاثية، بل هو تعبير عن التزام أخلاقي وإنساني عميق تجاه أزمة تعصف بقلوب الملايين. يمثل هذا الدعم جزءًا لا يتجزأ من رؤية أوسع للعمل الخيري والتنموي تتبناها الإمارات، تسعى من خلالها إلى تخفيف المعاناة وبناء مستقبل أفضل للمجتمعات المحتاجة. في ظل هذه الجهود المتواصلة، يبقى التساؤل قائمًا: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يعزز هذه الشراكات الإنسانية لضمان استجابة أسرع وأكثر فعالية للأزمات المستقبلية، وتحويل الأمل إلى واقع ملموس في كل زاوية من زوايا العالم؟










