الفنون المتنقلة: “كيناز” قافلة إبداعية تجوب الإمارات
في عالم يزداد فيه التوجه نحو المركزية، تأتي مبادرة “كيناز” لتذكرنا بأهمية الوصول إلى الجميع، حيث انطلقت كأول قافلة فنية متنقلة في دولة الإمارات العربية المتحدة. منذ مطلع العام الماضي، تجوب هذه القافلة أرجاء الدولة، مقدمة دروسًا وورش عمل فنية مجانية في المناطق النائية والبعيدة، لتجعل الفن في متناول يد الجميع.
مؤسسة “كيناز” وغاياتها النبيلة
الفنانة والمعلمة الإماراتية غالية المنصوري هي العقل المدبر وراء هذه المبادرة الملهمة. أطلقت المنصوري “كيناز”، وهي مجهزة بكافة الأدوات والمواد الفنية والحرفية اللازمة، مدفوعة برغبة شخصية في خدمة مجتمعها وإثراء المشهد الثقافي في الدولة.
رحلة “كيناز” عبر الإمارات
انطلاقًا من مدينة السلع، الواقعة على الحدود بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وصولًا إلى مدينة قدفع التاريخية في الفجيرة، قطعت “كيناز” مسافة تتجاوز 10 آلاف كيلومتر خلال العام الماضي، لتصل إلى مختلف شرائح المجتمع في المناطق النائية.
كلمات من القلب
تقول المنصوري عن مشروعها: “لطالما أردت أن أنشر متعة الإبداع الفني. ومع “كيناز”، عشت رحلة رائعة، وشاهدت كيف أصبح مركزًا حيويًا للتبادل الثقافي والتعبير الفني. أينما ذهبنا، سواء إلى المدارس، الكليات، المجتمعات، الحدائق، أو المهرجانات، كان الناس يتوافدون إلى الشاحنة لإطلاق العنان لإبداعاتهم”. هذا ما صرحت به المنصوري لـ”المجد الإماراتية” عن حلمها الذي تحول إلى حقيقة.
“كيناز”: اسم على مسمى
“كيناز”، الذي يعني الجمل في مزرعة والد المنصوري في ليوا، هو عبارة عن قافلة أو مقطورة يبلغ طولها 10 أمتار، مجهزة بالدهانات، والفرش، وحوامل الرسم، والطاولات، والكراسي، لتوفير بيئة ملائمة للأطفال والكبار للمشاركة في دروس الفن في الهواء الطلق، وكذلك في الأماكن المغلقة خلال أشهر الصيف الحارة.
الدافع وراء الفكرة
“أثناء عملي في برامج التوعية المجتمعية في إحدى المؤسسات الفنية في دولة الإمارات العربية المتحدة، سافرت إلى مناطق بعيدة وريفية في الدولة، ولاحظت نقصًا في الموارد والمساحات المخصصة للفن. هذا الأمر دفعني إلى تصور “كيناز”،” هكذا أوضحت المنصوري، الحاصلة على شهادة البكالوريوس في الفنون البصرية من جامعة زايد ودرجة الماجستير في تعليم الفنون من كلية معهد شيكاغو للفنون.
الحفاظ على الثقافة الإماراتية
جذور عميقة في التراث
نشأت المنصوري في ليوا، محاطة بالكثبان الرملية الذهبية، وقضت جزءًا كبيرًا من طفولتها وهي تراقب جدتها تنسج “التلي”، وهو تطريز إماراتي تقليدي. هذه الذكريات رسخت في قلبها تقديرًا عميقًا للحرف اليدوية والألوان.
ورش عمل مستوحاة من التراث
انطلاقًا من شغفها بالحفاظ على الثقافة الإماراتية، صممت المنصوري مجموعة متنوعة من ورش العمل التي تركز على الحرف اليدوية التقليدية والتراثية. بالإضافة إلى الرسم والنحت بالطين، تقدم المنصوري ورش عمل في فن التوابل، والتلي، ونسج الخوص، وصناديق المندوس. وأكدت المنصوري: “في “كيناز”، أقوم بدمج عناصر من التراث الإماراتي في ورش العمل الخاصة بي لتعزيز هويتنا الوطنية بطريقة إبداعية.”
إشراك المجتمع
إشراك المجتمع هو جوهر هذا المشروع الفريد. وأضافت: “تلقيت ردود فعل إيجابية للغاية من المشاركين، الذين عبروا عن ثقتهم المتزايدة في قدراتهم الفنية وشعورهم بإحساس متجدد بالإبداع”.
التأثير على الناس
قصص ملهمة
خلال العام الماضي، عززت تفاعلات المنصوري مع الناس إيمانها بالقوة التحويلية للفن والتأثير الإيجابي الذي يتركه استوديو “كيناز” للفنون على الناس. تتذكر زيارتها الأولى لمدينة السلع الحدودية، حيث كان من النادر أن تجد مركزًا تجاريًا. في البداية، كان الناس في المدينة خجولين من الاقتراب من القافلة. ولكن عندما بقيت هناك لمدة خمسة أيام، انفتحوا ببطء وبدأوا في حضور الفصول الدراسية. أحضر الأطفال آباءهم وأجدادهم. وفي النهاية، كانوا متحمسين للغاية لدرجة أنهم طلبوا زيارتهم مرة أخرى قريبًا.
إصرار وإبداع
في بلدة صغيرة أخرى في الفجيرة، تحدثت المنصوري عن صبي صغير يدعى حميد، جاء إلى “كيناز” في وقت كانت فيه جميع الورش محجوزة بالكامل. ومع ذلك، لم يستسلم الطفل المتحمس وعرض التطوع للقيام بأي مهمة مقابل السماح له بالدخول إلى الفصول الدراسية. وقالت المنصوري: “في اليوم التالي، عندما شاركت هذه التجربة على وسائل التواصل الاجتماعي، أشاد مدير مدرسة حميد بتصميمه وإبداعه. لا يمكنني أبدًا أن أرفض طلب أي شخص يأتي لحضور دروسي”.
مشجعو وأنصار “كيناز”
“كيناز”، المتواجدة في المدارس والمتنزهات، ممولة ذاتيًا وتعمل بمساعدة المتطوعين والدعم من مختلف المنظمات الحكومية والخاصة والتعليمية والمجتمعية.
مشاركة مجتمعية واسعة
منذ إطلاقها، شاركت “كيناز” في العديد من المهرجانات التراثية في دولة الإمارات العربية المتحدة. كانت نيكول والترز، المقيمة الأمريكية، في مهرجان العين للتمور مؤخرًا عندما رأت “كيناز” متوقفة بالخارج مع الأطفال والكبار منهمكين في الأنشطة الفنية. حضرت هي وابنتها المراهقة ورشة عمل فنية للتوابل. قالت والترز: “كانت هذه هي المرة الأولى التي أستخدم فيها الكركم والزعفران والقهوة والفلفل الحلو للرسم. كانت المشاركة في هذا الاستوديو الفني المتنقل الثقافي تجربة لا تُنسى”.
تجارب ملهمة
سارة المرزوقي، المقيمة في أبوظبي، كانت تمشي مع مجموعة من صديقاتها في مهرجان المرموم السينمائي في دبي عندما لفت انتباهها الاستوديو الفني المتنقل الفريد من نوعه. وقالت: “بدا المفهوم بأكمله مثيرًا للاهتمام، وانتهى بي الأمر بالمشاركة في ورشة عمل حقيبة اليد. كانت هذه تجربة جديدة بالنسبة لي. لم أكن أعرف أبدًا أنني أستطيع إنشاء أعمال فنية بهذه السهولة. الآن أنا من أشد المعجبين بـ”كيناز” وأخطط لتتبعها ومتابعتها أينما ذهبت”.
و أخيرا وليس آخرا
في ختام هذه الرحلة الملهمة مع “كيناز”، نرى كيف يمكن لمبادرة فردية أن تتحول إلى حركة مجتمعية مؤثرة. “كيناز” ليست مجرد قافلة فنية متنقلة، بل هي رمز للإبداع والتواصل الثقافي، وفرصة لإطلاق الطاقات الكامنة في أفراد المجتمع. فهل ستستمر “كيناز” في إلهامنا ونشر الفن في كل ركن من أركان الإمارات؟ يبقى هذا السؤال مفتوحًا، ونحن نتطلع بشغف إلى المستقبل.










