مستقبل الصحة العامة: أبوظبي تضع الأسس خلال مؤتمر الاتحاد الدولي لتعزيز الصحة والتثقيف الصحي
في أبوظبي، اختُتمت فعاليات مؤتمر الاتحاد الدولي لتعزيز الصحة والتثقيف الصحي في دورته الخامسة والعشرين، وهو الحدث الذي استضافه مركز أبوظبي للصحة العامة بالتعاون مع الاتحاد الدولي لتعزيز الصحة والتثقيف الصحي، وبدعم من دائرة الصحة – أبوظبي، وبمشاركة أكثر من 2,000 خبير، وقائد، وصانع تغيير من أكثر من 100 دولة. لقد مثَّلت استضافة أبوظبي لهذا المؤتمر، الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، علامة فارقة، حيث نجحت في إطلاق رؤية جديدة لمستقبل الصحة العامة على مستوى العالم.
نتائج وتوصيات المؤتمر
على مدار أربعة أيام، قدَّم المؤتمر مخرجات عالمية ملموسة تجلَّت في 15 توصية متعلقة بالسياسات العامة، و10 شراكات استراتيجية طويلة الأمد، و385 جلسة نقاشية قادها نخبة من الخبراء الدوليين. تمحورت هذه الجهود حول شعار المؤتمر: «البيئات المحفِّزة لصحة ورفاه الكوكب وسكانه». وأكَّد المشاركون على أهمية التحوُّل من نموذج الرعاية الصحية التقليدية إلى نموذج صحة شمولي يضمن وصول الجميع إلى الخدمات الصحية، والقدرة على التكيُّف مع تغيُّرات المناخ، واعتماد تفكير منهجي شامل.
وقد أسفر المؤتمر عن مجموعة من التوصيات العامة التي تستهدف معالجة أبرز التحديات الصحية التي تواجه القرن الحادي والعشرين.
إعادة تعريف الصحة الرقمية
أكَّد المشاركون على أن التقنيات الرقمية الصحية، على الرغم من أهميتها، يجب أن تظل وسيلة داعمة للرعاية التقليدية، وليست بديلاً عنها. ودعا المؤتمر إلى تبني نهج تشاركي شامل يراعي احتياجات الفئات الأكثر ضعفاً، ويعزز الوصول والتكلفة المنخفضة، دون إقصاء النماذج التقليدية للرعاية.
تصميم مدن أكثر ذكاءً وبرودة لمواجهة التغيُّر المناخي
في ظل تزايد الظواهر المناخية، دعا المشاركون إلى اعتماد حلول عمرانية تعتمد على الطبيعة والتكنولوجيا، مثل الأسطح العاكسة، والمواد المسامية، والتشجير الحضري، بهدف تحسين جودة الحياة وتعزيز استدامة المدن وصحتها المناخية.
الصحة النفسية حق للجميع
أوصى المؤتمر باعتبار الصحة النفسية حقاً أساسياً للجميع، ودمجها في قطاعات التعليم والتخطيط الحضري والرعاية الصحية الأولية. كما أكد على أهمية تطوير الحلول بمشاركة الشباب والفئات الأكثر ضعفاً، واستخدام الحلول الرقمية التفاعلية لتلبية احتياجات المجتمع، مع تعزيز الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي لتمكين الجميع من الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.
تعزيز الجاهزية لحالات الطوارئ الصحية
دعا المؤتمر إلى تعزيز الجاهزية الاستراتيجية للأنظمة الصحية من خلال زيادة الطاقة الاستيعابية، ونشر وحدات صحية متنقلة، وبناء منظومات استجابة مجتمعية مرنة، بالإضافة إلى دمج خدمات الصحة النفسية والرصد اللحظي ضمن بروتوكولات الطوارئ الوطنية.
التحوُّل من الرعاية الصحية إلى الصحة
شدَّد المؤتمر على أهمية اعتماد نهج تفكير شمولي يعتمد على تحليل المحدّدات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للصحة، مع التركيز على تصميم بيئات وسياسات وخدمات تعزز الصحة من جذورها، مما يضمن التحوُّل من معالجة الأمراض إلى تعزيز الرفاه الشامل للسكان.
أبوظبي مركز عالمي للابتكار الصحي
أكَّدت هذه التوصيات التزام أبوظبي بدورها الريادي في صياغة التوجهات المستقبلية للصحة العامة على مستوى العالم، وتعزيز مكانتها كمركز عالمي للابتكار والسياسات الصحية المستدامة.
صرَّح سعادة الدكتور راشد السويدي، المدير العام لمركز أبوظبي للصحة العامة، بأن مؤتمر الاتحاد الدولي لتعزيز الصحة والتثقيف الصحي لسنة 1446هـ/2025م أثبت أنَّ التقدُّم الحقيقي في الصحة العامة لا يتحقَّق إلا من خلال التعاون بين القطاعات والأنظمة، مشيراً إلى أن المؤتمر شكَّل منصة لترسيخ الالتزام الجماعي بتحويل الأفكار إلى حلول ملموسة، وتعزيز الصحة كمهمة مجتمعية مشتركة.
كما أوضحت سعادة الدكتورة أمنيات الهاجري، المدير التنفيذي لقطاع صحة المجتمع في مركز أبوظبي للصحة العامة، أن الصحة لم تعد مجرد استجابة للأمراض، بل أصبحت مكوِّناً أساسياً في تصميم البيئات والنُّظم، مؤكدة أن الهدف ليس فقط العلاج، بل إعادة تصميم الصحة ذاتها.
شراكات استراتيجية لتعزيز الصحة
في تجسيد لنهج دولة الإمارات القائم على التعاون الدولي، وقَّع مركز أبوظبي للصحة العامة ثماني اتفاقيات استراتيجية مع جهات رائدة في قطاع الصحة العالمي، شملت شركات ومؤسسات مثل «بوهرنجر إنجلهايم»، و«أورجانون»، وجمعية الإمارات لمكافحة السرطان، و«جيلياد ساينسز»، و«أسترازينيكا»، و«نوفارتس»، ومعهد الحياة الصحية في أبوظبي، وهيئة المساهمات المجتمعية – معا، و إم إس دي، وروش.
وتهدف هذه الشراكات إلى دعم جهود الوقاية من الأمراض غير السارية، وتعزيز صحة المرأة، والتشخيص المبكر، والرفاه المجتمعي، ما يُرسِّخ الأثر المحلي ويعزِّز ريادة أبوظبي إقليمياً في مجال الرعاية الاستباقية.
أشار سيوني تويتاهي، رئيس الاتحاد الدولي لتعزيز الصحة والتثقيف الصحي، إلى أن أبوظبي أعادت تعريف مفهوم التعاون الصحي العالمي، وأن الرؤية والإرادة الجماعية التي شهدها ستلهم الأجيال القادمة في جميع أنحاء العالم.
أكَّد المؤتمر على أن تعزيز الصحة يجب أن يشمل جميع البيئات التي يعيش فيها الأفراد ويتعلمون ويعملون ويتفاعلون فيها، وليس المستشفيات فقط.
و أخيرا وليس آخرا
مع اختتام فعاليات المؤتمر، تواصل أبوظبي تعزيز مكانتها كمحور عالمي للابتكار في الصحة وبناء المجتمعات المرنة، واضعة معياراً جديداً لكيفية بناء مجتمعات أكثر صحة واستدامة. هل ستستمر أبوظبي في هذا النهج الريادي، وما هي الخطوات التالية لترجمة هذه التوصيات إلى واقع ملموس؟









