آمال جديدة في عالم الطب: الحفاظ على الخصوبة لدى مريضات سرطان الثدي
سرطان الثدي والخصوبة: تحديات وآمال للمرأة في الإمارات
في دولة الإمارات العربية المتحدة، يواجه العديد من النساء المصابات بسرطان الثدي تحديات فريدة تتعلق بالخصوبة. بينما يمثل العلاج بارقة أمل في الشفاء، قد يترك آثارًا جانبية تؤثر على قدرتهن على الإنجاب. هذه المقالة تستعرض هذه التحديات والآمال التي تلوح في الأفق بفضل التقدم الطبي.
عندما شُخصت إصابة فاطمة (اسم مستعار) بسرطان الثدي في عمر الثانية والثلاثين، تبدلت حياتها بشكل جذري. لم تكن كلمة “سرطان” تعني لها نهاية العالم فحسب، بل أيضًا نهاية حلم الأمومة. الخوف من العلاج القاسي وعدم اليقين بشأن البقاء على قيد الحياة كانا يثقلان كاهلها، ولكن السؤال الأكبر كان: هل ستحظى بفرصة أن تكون أمًا يومًا ما؟
تشارك فاطمة، البالغة من العمر الآن 38 عامًا، تجربتها قائلة: “أتذكر أنني كنت جالسة في عيادة الطبيب وشعرت بالتجمد. لم أكن خائفة فقط من فقدان حياتي، بل كنت أخشى فقدان كل أحلامي، مثل إنجاب طفل وسماع كلمة “ماما” ومشاهدته يكبر أمامي.”
ومع بداية رحلة العلاج، ازداد حلمها في أن تصبح أمًا. “ازدادت رغبتي في الإنجاب. كانت هناك ليالٍ لم أستطع النوم فيها من كثرة التفكير.”
مثل العديد من النساء المصابات بسرطان الثدي، واجهت فاطمة حقيقة أن العلاجات المنقذة للحياة قد تحرمها من القدرة على الإنجاب. “أردت البقاء على قيد الحياة، لكنني لم أكن أريد أن أفقد فرصتي في أن أصبح أمًا.”
سرطان الثدي هو الأكثر شيوعًا بين النساء، ويصيب الآلاف سنويًا. على الرغم من أن المرض يصيب في الغالب النساء الأكبر سنًا، إلا أن حوالي 7 إلى 10 في المائة من الحالات يتم اكتشافها بين النساء دون سن الأربعين، وهي الفترة التي يصبح فيها تكوين أسرة محور اهتمامهن.
تأثير علاجات سرطان الثدي على الخصوبة
العلاج الكيميائي والإشعاعي وتأثيرهما على المبيض
يشير الأطباء إلى أن سرطان الثدي نفسه لا يؤثر بشكل مباشر على الخصوبة، ولكن العلاجات مثل العلاج الكيميائي والإشعاعي والعلاجات الهرمونية قد تؤثر عليها. هذه التدخلات المنقذة للحياة قد تؤدي إلى خلل في المبيض، مما يلقي بظلال من الشك حول قدرة الناجية على الحمل بيولوجيًا.
تقول الدكتورة سهى عبد الباقي، استشارية الأورام الطبية في مستشفى ميد كير الشارقة: “غالبًا ما يؤدي علاج السرطان إلى انقطاع الطمث المبكر أو انخفاض إنتاج البويضات، مما يؤثر على خصوبة المرأة. يعتمد مدى هذا التأثير على نوع العلاج وعمر المرأة وعوامل أخرى.”
ويضيف الدكتور محمد عزام زيادة، استشاري الأورام وأمراض الدم في المستشفى الدولي الحديث بدبي، أن العلاج الكيميائي يمثل تحديًا كبيرًا للخصوبة. “يمكن أن يضر بوظيفة المبيض، مما يؤدي إلى انخفاض مؤقت أو دائم في الخصوبة. قد تعمل العلاجات الهرمونية على قمع وظيفة المبيض ولكنها لا تسبب بالضرورة العقم الدائم.”
العلاج الكيميائي وعلاقته بتلف بصيلات المبيض
يشير الدكتور علي غزاوي، أخصائي الأورام الطبية في مستشفى الكندي التخصصي في دبي، إلى أن بعض أدوية العلاج الكيميائي، وخاصة تلك التي تحتوي على عوامل ألكلة، تشكل أعلى المخاطر. “العلاج الكيميائي له أعلى معدل سمية للغدد التناسلية، حيث يؤدي إلى إتلاف بصيلات المبيض في حوالي 80 في المائة من الحالات التي تنطوي على عوامل ألكلة.”
ومع ذلك، يؤكد الأطباء أن العلاجات الأخرى، مثل الإشعاع والعلاجات المستهدفة، غالبًا ما يكون لها تأثير ضئيل على الخصوبة.
لا يُنصح بالحمل أثناء علاج السرطان. ولكن، بالنسبة للناجيات اللاتي يرغبن في الحمل، يبقى الأمل ممكنًا. يقول الدكتور عبد الباقي: “عادة ما يُنصح المرضى بالانتظار لمدة ستة أشهر إلى عامين على الأقل بعد الانتهاء من علاج سرطان الثدي قبل محاولة الحمل. تساعد فترة الانتظار هذه الجسم على التعافي وتضمن هدوء السرطان.”
قد يبدو هذا الانتظار طويلًا جدًا بالنسبة للنساء اللواتي يتوقن إلى تأسيس أسرة. ومع ذلك، فإن معرفة أن الأمومة لا تزال ممكنة توفر لهن الراحة.
الحفاظ على الخصوبة: نافذة أمل جديدة
بالنسبة للنساء المهتمات بخصوبتهن، فإن التقدم في التكنولوجيا الطبية يمنح الأمل. تقول الدكتورة عبد الباقي: “استراتيجيات الحفاظ على الخصوبة، مثل تجميد البويضات أو الأجنة، وتجميد أنسجة المبيض، والتلقيح الصناعي، والحمل البديل، يمكن أن توفر الأمل لمريضات سرطان الثدي.” وتؤكد على أهمية مناقشة هذه الخيارات مع أخصائي الخصوبة قبل بدء العلاج.
يقول الدكتور زيادة: “إن مواءمة استراتيجيات الحفاظ مع الجداول الزمنية للعلاج أمر بالغ الأهمية. إن الاستشارة في وقت التشخيص يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا.”
الحمل الصحي والرضاعة الطبيعية بعد العلاج
أكد الأطباء أن الأبحاث أظهرت أن الحمل بعد الإصابة بسرطان الثدي آمن بشكل عام. يقول الدكتور زياد: “لا يزيد الحمل من خطر تكرار الإصابة وهو آمن للأم. ومع ذلك، يجب مراقبة الناجيات عن كثب أثناء الحمل تحسباً لحدوث مضاعفات مثل تسمم الحمل أو الولادة المبكرة.”
وبحسب الأطباء، فإن الرحلة قد تتطلب بعض التعديلات بالنسبة للناجيات اللاتي يرغبن في إرضاع أطفالهن طبيعيًا. تقول الدكتورة غزاوي: “بعد استئصال الثدي، لا يمكن إرضاع الأطفال طبيعيًا بسبب إزالة الأنسجة. كما يمكن للإشعاع أن يقلل من إنتاج الحليب. ومع ذلك، فإن الرضاعة من الثدي الآخر أو بعد استئصال الورم آمنة وممكنة.”
أنجبت فاطمة طفلاً سليماً بعد أربع سنوات من إكمال علاجها. وقالت: “إنه معجزتي. ورغم كل المخاوف والتحديات، لم أستسلم أبدًا لحلم أن أصبح أماً.”
و أخيرا وليس آخرا
إن رحلة علاج سرطان الثدي مليئة بالتحديات، ولكن مع التقدم الطبي في مجال الحفاظ على الخصوبة، يظل الأمل قائماً. قصة فاطمة هي شهادة على قوة الإرادة والأمل في تحقيق الأمومة رغم الصعاب. يبقى السؤال مفتوحًا حول كيف يمكننا تعزيز الوعي بهذه الخيارات وتوفير الدعم اللازم للنساء لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مستقبلهن الإنجابي.










